⁦يوم عرفة ⁦بقلم الداعية الإسلاميه مهندسة بهيرة خيرالله

يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذى الحجة ، وأحد الأيام العشر المباركات التي أقسم الله بها فى قوله تعالى : { وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)} [الفجر]، والشفع هو يوم النحر والوتر هو يوم عرفة .

  • نتذكرفى هذا اليوم أبينا آدم لما أُهبط من الجنة على جبل سرنديب فى الهند وأُهبطت حواء فى جدة ؛ وانطلق آدم لزيارة أول بيتٍ وُضع للناس فى الأرض للذي ببكة ، فتقابل وحواء بعد فراق وتعارفا فى وادٍ سُمِّيَ عرفات أو عرفة .

  • وهناك رواية أخرى للتسمية بأن الملائكة فى هذا المكان قالت لآدم : “اعرف ذنبك وتب إلى الله” ، فعرف زلته وعرف كيف يتوب بكلماتٍ تلقاها من ربِّه :{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ(23)} [الأعراف] .

  • ونتذكر أن الله أخذ الميثاق من ظهر أبينا آدم يوم عرفة ، ميثاق الفطرة الإيمانية ميثاق الذَّر ، كما روى الامام أحمد فى المُسند أن النبى قال : ( إنَّ الله أخذ الميثاق من ظهر أدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة , فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذَّر ثم كلمهم : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُواْ : بَلَى شَهِدْنَا ) ؛ وهو الميثاق الذى جاء فى قوله تعالى فى قوله تعالي: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)}[ الأعراف] .

  • ونتذكر أبينا إبراهيم عندما عرف صدق رؤياه في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل ليلة التروية ، وعاودته الرؤيا ليلة عرفة ، فلما أصبح عرف أن ذلك وحىٌّ من الله عز وجلَّ ، وأنه لابد من الإذعان له ، إذ أن رؤيا الأنبياء حق ، فسُمِّيَ ذلك اليوم بيوم عرفة. وكذلك نتذكر عندما كان جبريل  يُريه مناسك الحجِّ ويقول له : عرفت ؟ ومن هنا سُميت عرفة .

  • ونتذكر نبينا محمد عندما وقف على جبل الرحمة وألقى خطبة الوداع عند الصخرات الثلاث في العام العاشر الهجري ، وعرف أنه آخر لقاء إذ فيها قال : ( لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) ، وعرف عمر بن الخطاب أن أجل رسول الله قد اقترب وبكي من قوله هذا ومن قول الله تعالي: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (3)}‏[المائدة] ، فكمال الشيء نهايته ، ومكثَ النبي بعد ما نزلت هذه الآية إِحدى وثَمانينَ لَيلَةً ثم توفاه الله .

  • ونتذكر ما قاله النبى فى خطبة الوداع من : تحريم الدماء والأموال تحريم الرِّبا التوصية بالنساء الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله والتوصية بأهل بيته .

  • ونتذكر إخواننا الحجاج الوافدين من أرجاء الأرض باختلاف أجناسهم وألسنتهم لا يجمعهم إلا الإسلام ، ولا يربطهم إلا العبودية لله ربِّ العالمين ، واقفين بهذا المكان فى هذا اليوم ، يعترفون بذنوبهم ، يتضرعون إلى الله ، ويدعونه يطلبون المغفرة والرَّحمة والعتق من النار . فهذا اليوم من أعظم الأيام عند الله تعالى ، يُباهى الله فيه بأهل الموقف من الحجاج أهل السماء من الملائكة ، فيقول : ( انظروا إلى عبادى جاءونى شُعثاً غُبراً ضاحين ، جاءوا من كل فجٍّ عميق ، يرجونَ رحمتى ولم يَرَوْا عذابى ، فلم يُرَ أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة ) .

  • ونتذكر فى هذا اليوم يوم الحشر فى الآخرة ، حيث يجتمع فيه الناس فى وقت واحد ، فى مكان واحد ، كلهم سواسية لافرق بينهم إلآ فى أعمالهم ؛ وهنا فى عرفات الجميع فى ملابس الإحرام لا فرق بينهم ، كأن الأرض لفظتهم فى أكفانهم البيضاء ، الكلُّ مشغول بنفسه ،الكلُّ مبتهل ، الكلُّ شاخصٌ إلى ربِّه يرجو رحمته ويخشي عذابه ، وهو كقوله : { لِكُلِّ امْرئ مِنهُم يَومئذٍ شأنٌ يُغنيه(37) } [عبس ] …. فعلينا أن نتذكر يوم الحساب ، ليستيقظ كل منَّا من غفلته ويعمل لهذا اليوم ، بالثبات على طاعة الله ورسوله ، بعدما أكرمه الله بالحجِّ ، وأكرمه بالعتق من النار ، وأكرمه بعودته نقيا من الآثام والذنوب كيوم ولدته أمه .

  • وكذلك يوم القيامة يجعل الله أهل الجنة يعرفون منازلهم منها وهو قوله تعالي:{ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)}[ محمد] ، وهو قول النبي ( والذي نفسي بيده إنَّ لأحدكم بمنزله في الجنة أعرفُ منه بمنزله في الدنيا ) .

⁦▪️⁩ وعن فضل يوم عرفة :

  • هو أهم أركان الحج ، بل هو الركن الرئيس ، وهو يوم الحجِّ الأكبر ، فقد ورد عن رسول الله أنه قال: ( الحَجُّ عرفة ، ومن جاء ليلة جَمْع قبل طلوع الفجر فقد أدرك)، لأن مناسك الحج يمكن فى بعضها التقديم والتأخير، ويمكن فى بعضها الآخر الاستعاضة عنه بفدية أو التوكيل إلآ الوقوف بعرفة .

  • وروى الامام مالك أنَّ الرسول قال : ( ما رُؤىَ الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فى يوم عرفة ) ، وذلك لما يراه من واسع العفو والمغفرة والعتق من النار لعباد الله .

  • وهو يوم مغفرة الذنوب – فعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله قال : ( ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتقَ اللهُ فيه عبداً من النار من يومِ عرفة ) – رواه مسلم .

    وكما قال رسول الله : ( صيام يوم عرفة احتسبُ على الله أن يُكفِّرَ السنة التي قبله والتي بعده ) ، وهذا لغير الحاج .

  • وإذا وافق يوم عرفة يوم جمعة كما يقع هذا العام 1441 هـ ، وكما وقع في حجة الإسلام للنبي عام 10هـ ، كانت مغفرة الله واسعة ، فقد اجتمع فيه خيرُ يومين من أفضل الأيام عند الله فى يومٍ واحد ، يوم الجمعة هو يوم العيد الاسبوعى للمسلمين، ويوم عرفة يوم العيد السنوى لأهل عرفة ؛ هذا ويوم الجمعة موافق ليوم الجمع الأكبر والموقف الأعظم يوم القيامة يوم الحشر ، فإن القيامة تقوم يوم جمعة ، كما قال النبي ” وفيه تقوم الساعة ” ، والحج مشهد مصغر أو أصغر لهذا اليوم العظيم ، حيث يجتمع الخلق فيه فى وقت واحد . وقد أقسم الله بهما إذ قال :{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)}[البروج] ، قال بعض المفسرون الشاهد هو يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة .

    … فمن فاته في هذا العام القيام بعرفة ، ولا الصيام يوم عرفة ، فليقم لله بحقه الذي عرفه ….

ونختم بدعاء عـرفـة : كما رواه الإمام أحمد عن رسول الله أنه قال : ( خيرُ الدُّعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلى : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شئ قدير ) .

%d مدونون معجبون بهذه: