{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}
[التوبة: 119].

أيها الإخوة:
هذه القاعدة المحكمة جاءت تعقيباً على قصة جهاد طويل، وبلاء كبير
في خدمة الدين، والذب عن حياضه، قام به النبيُّ صلى الله عليه وسلم
وأصحابُه رضي الله عنهم،وذلك في خاتمة سورة التوبة ـ التي هي
من آخر ما نزل عليه – صلى الله عليه وسلم – قال تعالى:

{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ
إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ
وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}

[التوبة: 117، 119].

والمعنى:
إن هؤلاء الذين تاب الله عليهم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه،
والثلاثة الذين خلفوا ـ هم أئمة الصادقين، فاقتدوا بهم.

وأنت ـ أيها المبارك ـ إذا تأملتَ مجيء هذه القاعدة القرآنية

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}

بعد هذه الآيات، أدركتَ أن الصدق أعمّ من أن يختصر في الصدق
في الأقوال! بل هو الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، التي كان
يتمثلها نبينا صلى الله عليه وسلم في حياته كلها، قبل البعثة وبعدها.

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم صادق اللهجة، عف اللسان، أميناً
وفيّاً حافظاً للعهود قبل بعثته، عرف بالصادق الأمين، وكان ذلك سبباً
في إسلام بعض عقلاء المشركين، الذين كان قائلهم يقول: لم يكن هذا
الرجل يكذب على الناس أفتراه يكذب على الله؟!

أيها الإخوة:
كثيرٌ من الناس حينما يسمع هذه القاعدة القرآنية

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}

لا ينصرف ذهنه إلا للصدق في الأقوال، وهذا في الحقيقة تقصير في فهم
هذه القاعدة، وإلا لو تأمل الإنسان سياقها لعلم أنها تشمل جميع الأقوال
والأفعال والأحوال! كما تقدم.

يا أهل القرآن!
إن للصدق آثاراً حميدة، وعوائد جليلة; وهو دليل على رجحان العقل
، وحسن السيرة، ونقاء السريرة.

ولو لم يكن للصدق من آثار إلا سلامته من رجس الكذب، ومخالفة
المروءة، والتشبه بالمنافقين! فضلاً عما يكسبه الصدق من عزة،
وشجاعة، تورثه كرامة، وعزة نفس، وهيبةَ جناب، ومن تأمل
في قصة الثلاثة الذين خلفوا أدرك حلاوة الصدق ومرارة الكذب
ولو بعد حين.

ومن تأمل في الآيات الواردة في مدح الصدق والثناء على أهله
وجدَ عجبا عجاباً!

ولو أخذتُ في سرد الآيات الواردة فيه سرداً فقط لانقضى وقت الحلقة قبل
أن تنقضي الآيات، ولكن حسبنا أن نشير إلى جملة من الآثار
التي دلّ عليها القرآن للصدق وأهله في الدنيا والآخرة:

1. فالصادق سائر على درب الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ
الذين أثنى الله عليهم في غير ما آية بالصدق في الوعد والحديث.

2. والصادق معانٌ ومنصورٌ، ويسخر الله له من يدافع عنه من حيث
لا يتوقع، بل قد يكون المدافع خصماً من خصومه
تأمل في قول امرأة العزيز:

{قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}

[يوسف: 51].

3. والصادق يسير في طريق لاحب إلى الجنة، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:

( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر،
وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق
ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا )
أخرجه الشيخان(1)

وقد قال الله عز وجل ـ مبيناً صفات أهل الجنة ـ:

{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}

[آل عمران: 17].

4. وأهل الصدق هم الناجون يوم العرض الأكبر على ربهم،
كما قال تعالى:

{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}

[المائدة: 119].

5. والصادقون هم أهلٌ لمغفرة الله وما أعده لهم من الأجر
والثواب العظيم، قال سبحانه وتعالى:

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ…
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)}

[الأحزاب: 35].

وبعد هذا.. فإن من المحزن والمؤلم أن يرى المسلم الخرق الصارخ
ـ في واقع المسلمين ـ لما دلّت عليه هذه القاعدة القرآنية المحكمة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}

فكم هم الذين يكذبون في حديثهم؟ وكم هم الذين يخلفون مواعيدهم؟
وكم هم أولئك الذين ينقضون عهودهم؟

أليس في المسلمين من يتعاطى الرشوة ويخون بذلك ما اؤتمن عليه من
أداء وظيفته؟ أليس في المسلمين من لا يبالي بتزوير العقود،
والأوراق الرسمية؟ وغير ذلك من صور التزوير؟

لقد شوّه ـ هؤلاء ـ وللأسف بأفعالهم وجهَ الإسلام المشرق
الذي ما قام إلا على الصدق!

وإنك لتعجب من مسلم يقرأ هذه القاعدة القرآنية المحكمة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}

ومع ذلك يمارس كثير من المسلمين الكذب مع وفرة النصوص
الشرعية التي تأمر بالصدق وتنهى عن الكذب!

%d مدونون معجبون بهذه: