التوبه النصوح

أقوال في التوبة - موضوع

عند قوله تعالى :

{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا
فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70)
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)}

الفرقان

لقد وصفهم الله بعمل الخيرات واجتناب السيئات فهم

{ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ }

ومن فعل شيئا من هذه الكبائر (يلق أثاما ) أي جزاء ونكالا

{ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }

عذاب مضاعف يكرر عليه ويغلظ ، وعذاب جهنم ليس يوم ولا يومين
ولا سنة ولا سنتين …إنه الخلود

{ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا }

ومع العذاب المادي هناك إهانة نفسية معنوية ؛إنه يخلد في هذا العذاب
حقيرا مهانا ذليلا ، مهما كانت مكانته في الدنيا فهو عند الله ذليل .

هذا شأن من يرتكبون تلك الكبائر، لكن هل سد عليهم الباب فلا رحمة
ينتظرونها ولا عفو يرتقبونه ؟ كلا فقد استثنى الله عز وجل

{ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }

هكذا فتح الله باب التوبة على مصراعيه ، وهذا من رحمة الله بعباده فهو
سبحانه يعلم ضعفهم ، وما أودع فيهم من الغرائز ، ويعلم وسوسة الشيطان
لهم ، علم الله ذلك ففتح لهم باب التوبة وهو سبحانه الذي سمى نفسه التواب
وأخبر أنه

{ يحب التوابين ويحب المتطهرين }
البقرة 222

فلو شاء لخلقنا ملائكة لا نعصي لكنه خلقنا بشرا نصيب ونخطيء ونستغفر
ونتوب فيتوب الله علينا ،فلابد لأسماء الله الحسنى أن تعمل عملها فإن
من أسماء الله تعالى: الغفار والعفو والتواب، فإذا كان الإنسان متطهراً
لا يذنب فعن من يعفو الله وعلى من يتوب الله ولمن يغفر الله، ولهذا جاء
في الحديث الصحيح

“والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم
ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم”
رواه مسلم عن أبي هريرة

ولهذا كانت الذنوب طبيعية من الإنسان، غير الطبيعي أن يستمرئ الإنسان
المعاصي وأن يستمر في طريق الذنوب ولا يرجع إلى الله، هذا هو الخطر،
الخطر الاستمرار في الخروج عن الله، الخطر في عدم اليقظة التي ترد
الإنسان إلى الله بعد شروده، ولهذا كان هناك أشياء جعلها الله مطهرات،
ومكفرات للذنوب التي تقع من الإنسان، أول هذه المطهرات :
التوبة

والتوبة تغسل الإنسان من الذنب كما يغسل الماء الجسم من الوسخ،
إذا صحت بأركانها وشروطها فمن تاب تاب الله عليه

( والتائب من الذنب كمن لا ذنب له)

ولذلك سئل بعض السلف: هل إذا تبت تاب الله عليّ؟ قال:
بل يا جاهل إذا تاب الله عليك تبت، أما قرأت قول الله تعالى

{ ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم }

أي أن توبة الله عليك أسبق من توبتك إليه، ومعنى توبة الله عليك أن يوفقك
إلى التوبة، ما دام قد حركك لتتوب وتندم وترجع إليه فهذا دليل على أنه
قد تاب عليك.

إن آدم أبا البشر أخطأ ونسي ولم يجد له الله عزما، ولكنه سرعان
ما راجع نفسه، وعاد يقرع باب ربه، ويقول:

{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
الأعراف:23

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
البقرة:37.

التوبة هي الممحاة التي منحها الله للإنسان، ليستطيع أن يغسل بها ذنوبه،
وأن يتطهر بها من ماضيه، وأن يتحرر من آثاره،

{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
النور:31

والله تعالى يقول في كتابه

{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ }

فهم مذنبون ومسرفون على أنفسهم بمعاصي الله، لكنه يقول

{ قُلْ يَا عِبَادِيَ }

أي لم يحرمهم من شرف العبودية لله والانتساب إلى الله، فكل الذنوب تمحى
بالتوبة حتى الشرك

{ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ }

والإمام الحسن البصري لما قرأ في سورة البروج قوله تعالى:

{ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا
فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ }

فهم شقوا الأخاديد ووضعوا فيها النار، وحرقوا فيها المؤمنين،
والقرآن مع ذلك فتح لهم الباب ليتوبوا، ثم لم يتوبوا، فهل هناك أكثر
من هذا؟ قال سبحان الله فعلوا مافعلوا ثم عرض عليهم التوبة .

فليس هناك ذنب يستعصي على التوبة، وعندنا في صحيح البخاري قصة
الرجل قاتل التسعة وتسعين نفسًا، وعندما ذهب إلى أحد العباد قال له:
اذهب أنت ليست لك توبة، فقال له: أنا ليس لي توبة سأكمل بك المائة،
فاليأس يجعل الإنسان يفعل ما يشاء، وعندما ذهب إلى عالم لم يغلق في
وجهه باب التوبة، وقال له انتقل فقط من قرية طالحة إلى قرية صالحة.