قِيامُ اللَّيل وعنايةُ كِبَارِ الأئمة بهِ

{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا }

إنَّ أقوى وسيلة لتغذية الروح وشحن (بطارية) القلب:
قيام الليل، الذي أكثر القرآن من الحثّ عليه، والترغيب فيه، ومدح
أصحابه حتى كأنه ملحق بالفرائض وتابع لها، ولذلك سمّي نافلة.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتركه في حضر وسفر، ويذهب
كثير من علماء الإسلام، أنه كان فرضاً عليه، وقد قال الله تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ1/73قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا2/73نِصْفَهُ
أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا 3/73أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا4/
73إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا5/73إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا
وَأَقْوَمُ قِيلًا6/73إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا7/
73وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا8/73رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا }

[سورة المزمل: الآيات 1 – 9].

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شديد المحافظة عليه،
عظيم الحرص والرغبة فيه، وكان يقوم حتى تتورم رجلاه، يقول المغيرة
بن شعبة: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له:
قد غفر لله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر، قال:

( أفلا أكون عبداً شكوراً )

وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها:
قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بآية من القرآن ليلة.

ويعرف المتتبّع لأخبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والذي يطالع
دواوين الحديث وكتب السيرة والتاريخ، أن قيام الليل كان فاشياً منتشراً
فيهم حتى أصبح شعاراً لهم، وقد وُصفوا أمام (هِرَقْل) وقادته بأنهم بالليل
رهبان وبالنهار فرسان. ويصفهم سيد التابعين ومن أعرف الناس
بالصحابة، الإمام الحسن البصري فيقول: (إن المؤمنين لما جاءتهم هذه
الدعوة من الله صدّقوا بها وأفضى يقينها إلى قلوبهم، خشعت لله قلوبهم
وأبدانهم وأبصارهم، كنت والله إذا رأيتهم رأيت قوماً كأنهم رأي عين،
ما كانوا بأهل جدل ولا باطل، ولكنهم جاءهم أمر عن الله فصدقوا به،
فنَعَتَهم الله في لقرآن أحسن نعت، قال:

{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا }
[سورة الفرقان: الآية63]

، إلى أن يقول: ثم ذكر أن ليلهم خير ليل فقال:

{ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا }
[سورة الفرقان: الآية 64]

ينتصبون لله على أقدامهم، ويفترشون وجوههم سُجَّداً لربهم، تجري
دموعهم على خدودهم فَرَقاً من ربهم، قال الحسن:
(لأمرٍ ما سهروا ليلهم ولأمر ما خشعوا نهارهم).

وقد كان شعاراً للصالحين والربانيين، والدعاة والمجاهدين والمربين
المصلحين في كل عصر وفي كل طبقة، وقد كانوا يأخذون لكفاحهم بالنهار
ولأشغالهم التي تتطلب قوة خارقة للعادة، وصبراً لا نفاد له: زاداً ووقوداً
من عبادتهم في الليل ومن يقظتهم في الأسحار.

%d مدونون معجبون بهذه: