تائبون آيبون بقلم : الداعية : مهندسة / بهيرة خيرالله

 مقالتي يوم الثلاثاء ٦ أغسطس ٢٠١٩م في جريدة عقيدتي .. بعنوان تائبون آيبون :

– إذا كانت العبادة في الإسلام هي الغاية الأساسية من خلق الله تعالى للإنسان , والحكمة من وجوده على وجه الأرض , كما قال تعالى :{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }، فإن لهذه العبادة ثمرات مرجوة ونتائج هي المقصودة منها على وجه الحقيقة يجب تظهر في سلوك المسلم وحياته اليومية , ويلاحظها الناس من حوله , بدءا بأهله وأرحامه وجيرانه وأهل بلدته وكل من يعامله أو يحتك به . وإن لم تجد أثرًا للعبادة فى سلوك العابد وأخلاقه ، فذلك لضعف الإخلاص لله تعالي ، وعدم صدق النية ، ولمخالفة المنهج الرَّباني ، وترك سُنة وهدي الحبيب المصطفى  ، واتباع الهوي .. فإن الغاية العظمى من العبادات هي التقوي وإصلاح القلوب .

– والحجَّ عبادة مُركبة فهي عبادة مالية جسدية روحية ، وهي بذلك تعتبر العبادة الجامعة لكل العبادات في الإسلام , ففيها التوحيد بأبهى صوره وأشكاله ، وفيها الصلاة وبذل المال والصيام في حالات خاصة ؛ لذا قال تعالي يوم عرفة :{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي }[ المائدة:3] ، فبها تمت أركان الإسلام .

– ومن أروع الكلمات المأثورة عن ابن عمر وغيره من التابعين ، قولهم حين رأو ما أحدث الحجيج فى زمانهم ” الرَّكب كثير ، والحاجُّ قليل “.. فما بالنا فى زماننا هذا ! أين الحاج الذي يرجع من حجه فيحاسب نفسه ويراجع أسلوب حياته ، وصلاته بأهله وأولاده وأرحامه وجيرانه ، وسلوكه فى وظيفته وعمله وتجارته ومصادر رزقه وطرق إنفاقه ، فيقيسها بميزان الشرع وأوامر الله ونواهيه !! كيف يعود من حجه كمن ولدته أمه ، وهو هو كيوم سافر إلي حجه !!!

لذا نعالج هنا فى هذا المقال سلوكيات الحاج قبل الذهاب وأثناء وبعد العودة من الحج ، لأنه في الحقيقة هو المقياس الذي من خلاله يمكن إدراك مدى أثر العبادة في المسلمين , والمؤشر الذي يمكن به معرفة قبول الطاعة والعبادة من عدمه .

1- فقبل الذهاب لأداء الحج : يجب إخلاص النية لله ، كما كان من دعاء الرسول : ( اللَّهُمَّ حَجَّةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ ) . وأن يتزود لهذه الرحلة المباركة كما قال تعالي {وتزودوا فإنَّ خيرُ الزاد التقوي } [ البقرة :197] ، والزاد المادي يجب أن يكون حلالا فـ ( أنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً ) ، والزاد المعنوي التقوي كما قال الإمام علي  : ” الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والرِّضا بالقليل ، والاستعداد ليوم الرحيل “، والتقوي محلها القلب . 
– وعليه التوبة من كل ذنب ، والتحلل من ظلم الآخرين من غيبة أو نميمة وغيرها من آفات القلوب ، واستبراء ذمته تجاه الآخرين علي كافة المستويات العائلية والاجتماعية ، مادية ومعنوية ؛ برد الأمانات والمستحقات والديون والحقوق إلي أهلها ، وإنهاء الخصومات والقطيعة وأولها الأرحام ،.

2- سلوكيات الحاج اثناء الحج : قال تعالى { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } [البقرة: 197 ] ؛ وقال النبي  : ( سباب المُسلم فسوق وقتاله كفر ) ، فحرَّم الله تعالى الجماع ومقدماته ، كما حرَّم الفسوق والمعاصي والسُّباب ، والمجادلة بغير حق والمخاصمة ؛ حتي يكون المسلم نقيا من كل شائبة تشوبه ، وليتربى المسلم على الأخلاق الحسنة في الحج ؛ فيرجع من الحجِّ وقد اعتاد هذا الخلق ، فيستمر فيه كأسلوب للحياة بعد العودة إلى الديار .

– ومن السلوكيات الخاطئة فى الحجِّ التي تؤذي الآخرين : التزاحم في الطواف ، وعدم الترفق بالنساء وكبار السن والمرضي والعجزة ، والتقاتل لتقبيل الحجر الأسود ، والتزاحم عند رمي الجمرات وكأنه يضرب الشيطان فعلا وينسي أنه رمز لإرغام الشيطان ، وإضاعة الوقوف يوم عرفات فى أمور دنيوية وترك الدُّعاء والتضرع إلي الله ..

– ومن حُسْن الخلق في أيام الحج وغيرها: التواضع مع الناس ، والإحسان إليهم بإطعام الطعام، وحُسْن الكلام، وتوزيع الصدقات على الفقراء والمساكين ، والصبر على طاعة الله في أداء المناسك والمشقة والتعب والنصب لأن الحج جهاد ؛ والصبر على الناس والرِّفق بالناس كما قال النَّبِيِّ ( مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ )؛ فعلي الحاج أن يملك غضبه ، ويلن جانبه ، ويترك العنف والفظاظة والغلظة ، فالكل ضيوف الرَّحمن لا ضيوفٌ بعضهم علي بعض .

3- أثر الحج فى سلوكيات الحاج بعد العودة : إن من حج تعبدا لله مخلصا له ابتغاء مرضاته وتقربا إليه ، تري أثر الحج ظاهرًا عليه فى سلوكياته وأخلاقه ومعاملاته ، أما من حجَّ رياء وسمعة أو عادة ليقال حاج – وقد قيل – فهذا لا تري أثرًا للحج عليه لا قبل ولا بعد ولا أثناء حجه ، لا فى تعامله مع ربّه ولا مع خلقه . وقد قال العلماء أن من علامات قبول الحج تبدل حال الحاج إلي الأحسن والأفضل فى أموره كلها والديانة خاصة ، ويكفيه فضلا من الله ومنة فوزه بمرضاة الله وغفرانه ، ما قاله  : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق ، رجع كمن ولدته أمه ) ، وقوله : ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ، والحج المبرور لا يعني أيُّ حجٍ بل الحج الخالي من الذنوب والمعاصي ؛ الحج الذي تظهر آثاره الأخلاقية على سلوك الحاج بعد أدائه للفريضة ؛ والتي تعتبر المقياس الحقيقي لمدى أدائه للحج على الشكل الصحيح الذي أراده الله تعالى ، الحج المبرور أن يرجع الحاج يطلب الدار الأخرة .. لذا ينبغي علي الحاج أن يحافظ علي هذا الفضل وعلي هذه المكتسبات وأن تستمر آثارها ظاهرة في خلقه وسلوكه .

.. آيبون، تائبون ، عابدون ، لرَّبنا حامدون .. اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنَّا سيئها لا يصرف عنَّا سيئها إلا أنت .. اللهم ثبتنا علي طاعتك وحسن عبادتك ..

– بقلم : الداعية : مهندسة / بهيرة خيرالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *