درس اليوم …….[ صلة الأرحام وقطعهم ]

صورة ذات صلة

إن صلة الأرحام ليست شيئاً هامشياً في حياة المسلم؛ فإحدى المعالم
الكبرى في رسالة الإسلام هي صلة الأرحام، وعندما سأل هرقل عظيم
الروم أبا سفيان بن حرب – وكان لا يزال مشركاً – عن أحوال الرجل الذي
بعث فيهم (أي النبي محمد صلى الله عليه وسلم) كان من ضمن أسئلة
هرقل أن قال له: “وبم يأمركم؟” قال أبو سفيان:
“يأمرنا بالصلاة والزكاة، والصلة والعفاف”1.

وعندما سأل عمرو بن عبسة – رضي الله عنه – رسول الله
صلى الله عليه وسلم – عن غايات رسالته قال:

( أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ،
وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ )2.

عباد الله:
إذا نزغ الشيطان بين ذوي الأرحام فقطعوا ما بينهم من صلة وبر؛
فلا ينبغي التسليم بتلك الهزيمة، والوقوف عند تلك النهاية، بل لا بد من
بذل المستطاع من مساعي الصلح والإصلاح، واستغلال مناسبات الخير
ومواسم الطاعات التي ترقب لها القلوب، ويلين فيها المشاعر لكي نصل
ما انقطع من حبال الوصال، ونكون من العاملين بقوله – تعالى-:

{ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}
(21) سورة الرعد،

فصلة الأرحام برهان على صلاح الباطن بالتقوى، والخوف من الله،
وصلاح الظاهر بحسن الخلق مع عباد الله.

وقد استنبطت خديجة – رضي الله تعالى عنها – من أخلاق رسول الله –
صلى الله عليه وسلم – مع أرحامه وأهله وجيرانه ما أكد لها أن ما جاءه
هو وحي من عند الله، فعندما شكا إليها خوفه من نزول الوحي قائلاً:

(زَمِّلُـونِي زَمِّلُونِـي)،

خففت من روعه قائلة: “كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم،
وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق”3.

والتعبد بصلة الأرحام من أجلِّ أعمال البر المقربة إلى الله – عز وجل
– فقد جاء رجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال:
يا رسول الله، دلني على عمل يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار؟،
فقال له:

(تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ،
وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ)

فلما أدبر الرجل قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:

(إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)4.

أيها الناس:
ومع أن صلة الأرحام من أوسع سبل السلام الموصلة إلى دار الخلود فإن
قطعها من أسرع الطرق الموصلة للهلاك في الدنيا والآخرة، ولهذا اقترن
قطع الأرحام بالإفساد في الأرض قال – تعالى-:

{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ*
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ }
(22-23) سورة محمد،

وقد توعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قاطع الرحم فقال:

(لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ)5.

إن كثيراً من الناس يستسهلون قطيعة الأرحام، وربما تمر عليهم الأسابيع
والشهور بل و السنون الطوال وهم مقيمون على تلك المعصية، ذاهلون
عن حقيقة أن خصومتهم مع ذوي أرحامهم ستتحول إلى خصومة بين
يدي الملك الجبار – جل وعلا -.

ففي الحديث الصحيح أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:

(إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِه قَالَتْ الرَّحِمُ:
هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ
مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُم

{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ*
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ }
(22-23) سورة محمد6.

إن الله – تعالى- يصل من وصل رحمه، ويجعل راحة نفسه في تلك الصلة،
ولكن هذه الصلة تحتاج إلى جهد كبير للإبقاء عليها صافية دون نزغات
أو نزاعات، وتحتاج إلى جهد أكبر لإعادتها إلى ما كانت عليه إذا طغت تلك
النزغات والنزاعات حيث تبرز الحاجة إلى إصلاح ذات البين، ومن هنا
اكتسب إصلاح ذات البين منزلة عالية من منازل الطاعة والإحسان،
حتى قال سبحانه:

{ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ
أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا }
(114) سورة النساء،

ولكن للأسف هناك من يتعللون في قطيعة أرحامهم بأن أرحامهم بدؤوهم
بالقطعية، وهؤلاء أخطأوا أولاً في أنهم قابلوا الإساءة بالإساءة ولم يقابلوا
الإساءة بالإحسان، وأخطأوا ثانياً في أنهم ساووهم في معصية قطيعة
الرحم، وأخطأوا ثالثاً في أنهم ظنوا أن الوصال لا يصلح أن يكافأ به من
يقاطع، مع أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:

(لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي
إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)7.

وإلى جانب تعلل بعض الناس في قطع الأرحام باستحقاق أهليهم للقطيعة
فإن هناك من يتخوفون من إراقة ماء وجوههم إذا ردهم أهلون جاحدون،
لا يقبلون منهم صلحاً، ولا يلينون لهم جانباً، وفي مثل هؤلاء ورد أن
رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جاءه رجل فقال: يا رسول الله إن لي
قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم
ويجهلون عليَّ؟ فقال – عليه الصلاة والسلام -:

(لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ،
وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)8.

اللهم تقبل منا بر والدينا، وارحمهما كما ربونا صغاراً، وارحمنا بصلة
الأرحام، وأصلحنا لنصلح بين الناس.. آمين9، وصلِّ اللهم وسلِّم
على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *