ماذا تعرف عن نكاح الشغار؟

نكاح فاسد يسمى: نكاح الشغار، ويسمى عند بعض الناس: نكاح البدل: 

وهو نكاح يشترط فيه كل واحد من الوليّين نكاح الأخرى، فيقول أحدهما للآخر: زوّجني وأزوجك؛ زوجني بنتك وأزوجك بنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي، أو زوج ابني وأنا أزوج ابنك، أو زوجني وأنا أزوج ابنك، أو زوج ابني وأنا أزوجك، أو أزوج أخاك، أو ما أشبه ذلك، هذا هو الشغار. قالوا: سمي شغارًا من الخلو؛ لأنه في الغالب لا يهمهم المهر، وإنما يهمهم الاتفاق على هذا العمل، يقال: بلاد شاغرة، يعني: خلت من أهلها، ويقال: مكان شاغر: خالي، ويقال: شغر الكلب برجله: إذا رفعها ليبول، فأخلى مكانها. وقيل: سمي شغارًا من شغور الكلب برجله، المعنى كأنه يقول: لا تمسها ولا تمس رجلها، حتى أمس أو حتى أباشر رجل أختك أو بنتك أو عمتك، أو ما أشبه ذلك. وبكل حال فهو منكر وفاسد، وإن لم يخل من المهر وإن سمي فيه مهر؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن الشغار في حديث ابن عمر، ومن حديث جابر  ومن حديث معاوية، ومن أحاديث أخرى في النهي عن الشغار، وفي حديث أبي هريرة: والشغار هو: (أن يقول الرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي، هذا هو الشغار).
أما ما جاء في حديث ابن عمر رضى الله عنهما بقوله: إن الشغار هو: (أن يزوج هذا هذا، وهذا هذا، وليس بينهما صداق). هذا من كلام نافع مولى ابن عمر وليس من كلام النبي ﷺ وقال جماعة: هو من كلام مالك بن أنس الراوي عن نافع وبكل حال فهو ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من كلام من دون النبي ﷺ وهو نافع مولى ابن عمر أو مالك.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في البلوغ: “واتفقا من وجه آخر على أن تسمية الشغار من كلام نافع، فليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام وقد اتفق الشيخان على أنه من تفسير نافع، وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وبعض الفقهاء رحمة الله عليهم أخذ بما قال نافع، وقالوا: إنه لا يكون شغارًا إلا إذا خلا من المهر، أما إذا كان فيه المهر كاملًا فليس فيه حيلة، والمهر كاملًا لهذه ولهذه، فإنه لا يكون شغارًا.

وهذا قول ضعيف ومرجوح، والصواب: أنه يكون شغارًا مطلقًا إذا كان فيه الشغر لظاهر الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في حديث أبي هريرة  قال: والشغار: أن يقول الرجل: زوجني أختك وأزوجك أختي، أو زوجني بنتك وأزوجك بنتي[9]، ولم يقل وليس بينهما صداق، بل أطلق؛ ولما ثبت في المسند وسنن أبي داود بسند صحيح، عن معاوية  أنه رفع إليه أمير المدينة: أن شخصين تزوجا شغارًا، وقد سميا مهرًا، فكتب معاوية  إلى أمير المدينة أن يفرق بينهما، وقال: هذا هو الشغار الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام مع أنهما قد سميا مهرًا.

فدل ذلك، على أن الشغار هو ما فيه مشارطة سواء سمي فيه المهر أم لم يسم فيه المهر والحكمة في ذلك والله أعلم أنه وسيلة لظلم النساء، وإجبارهن على أزواج لا ترضاهم النساء، وسبب أيضًا لعدم المبالاة بمهورهن، وسبب أيضًا للنزاع المتواصل والخصومات الكثيرة.

فمن رحمة الله أن حرَّم الله ذلك؛ حتى لا يجبر النساء بغير حق، وحتى لا يظلمن، وحتى يسد باب النزاع والخصومات، فإنَّ الذين فعلوا هذا وقد جربوا ما فيه من الشر، فإنه تكثر بينهم النزاعات والخصومات، وإذا جرى بين هذا وزوجته شيء، وخرجت لعلة، خرجت الأخرى، أو طلب وليها بإخراجها حتى تعود هذه، وهكذا في النزاع متى ساءت الحال بين هذا وزوجته، لحقتها الأخرى؛ لأنه مشروط على هذا، وهذا مشروط عليه أن ينكح هذا هذه، وهذا هذه، فكلما جرى نزاع ساءت الحال بين الجميع.

ثم الولي لا يبالي، بل يحبسها ويؤذيها، حتى يجد امرأة أخرى، ويشترطها لنفسه أو لولده أو لابن أخيه أو لأخيه، فتكون النساء حبسًا مظلومات لحاجات الأولياء، ولمصالح الأولياء، ولظلم الأولياء؛ ومن أجل هذا حرم الله الشغار، ونهى عنه نبيه عليه الصلاة والسلام؛ حتى لا تظلم النساء، وحتى لا يتخذ تزويجهن للهوى والظلم، وإرضاء الأولياء، وتحصيل مقاصدهم وأهواءهم، بل على الولي أن يطلب لها الزوج المناسب الزوج الشرعي ولا يعلق ذلك بأن يزوج ابن هذا أو أخ هذا أو عم هذا، وما أشبه ذلك. فهذا هو نكاح الشغار، وهو المسمى: نكاح البدل.

والصواب: أنه لا يجوز مطلقًا سواء كان فيه مهر أو لم يكن فيه مهر هذا هو أرجح قولي العلماء في هذه المسألة، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة، وهو الموافق للمعنى الذي من أجله حرم الله الشغار، الذي هو البدل، ونهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة وإن سمي فيه مهر والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *