مقاله الكاتب/مأمون البسيونى فى يوم 17/10/2018

من اكتساب الخبرة إلى ثورة 30 يونيو:

لا يمكن , إلاّ لهارب من دوره لسبب أو آخر , أن يتقبّل مصرى أن ّيكون هذا هو حالنا الذى انتهينا إليه . من ثورة 25يناير,والأمر أفدح , حين التفكير فى 30يونيو , وهذا الشعب والجيش يفشل ويهدم فى سنة مابناه الإخوان والجماعات التى خرجت من عباءتهم.

لايمكن أن نتقبّل تكرار نفس أخطائنا ووسائلنا . نستمرّ فى الاعتماد على المواجهة المسلّحة والقضاء الإستثنائى وحالة الطوارىء وتقييد الحرّيات …وتستمرّ ثقافتنا تدور في أبراج عاجيّة .

يناشد رئيس الدولة شيخ الأزهر حول تحسين الخطاب الدينى ,ويستمرّ نشاط الخبراء فى الإخوان وجماعات الإسلام السياسى تتبادل مجموعة من الأساتذة والباحثين تداول الكتابات والقراءات. إن لهذا دوره المحدّد والمحدود, غيرأن الثقافة المصريّة لايمكنها أن تدع الناس أسرى مفاهيم هذه الحتميّة الإسلاميّة التى نزع البعض إلى فرضها بتقديس الأزهر أو بقوّة السلاح.هناك حاجة لأن يتمكّن المجتمع ككلّ من تحديد القيم التى يسعى إليها ومن الصعب على ثقافة البرجات أو الخطاب الدينى لأىّ ملّة أن يدرك أو يستجيب للظروف الجديدة غير العاديّة، والتى تتضمّن فى عصرنا تحوّلات جذرية هيكليّة تصنعها الثورة العلميّة التكنولوجيّة والقائمة أساسا على العمل العقلي.

ومن بعض مردوداتها،مايغير فى أدمغتنا ذاتها. نتيجة استكشاف الكون والسير فى الفضاء والفيزياء الحديثة..لايمكن أن نمر مر الكرام على التجارب الطبيّة لإطالة عمرالإنسان والحصول على مولود نحدّد سلفا جنسه وٍ لون بشرته وعينيه وشعره،على الاستنساخ وتخليق الأعضاء من الخلايا الجزعيّة، على تعقّد النظام الاقتصادى والسياسى ومايفرزه كلّ ذلك من قيم يواجهها الإنسان لأوّل مرّة.. سنفقد خصوبتنا ودورنا إذا مضينا فى هذه الدنيا,ونحن نتصور الثقافة نأيا عن السياسة , بينما نلوى عنقها كلّ لحظة لنربطها بالدين والتديّن .

لا تحمل الثقافة على كاهلها مهمّة تدبير العوام ” الأمى الحقيقى الذى يعيش دون قراءة وكتابة والأمّى الثانوى ومنهم من تخرّج من الجامعات وحصل على الماجستير والدكتوراه.

أعود إلى ماوعدتكم به فى البوست السابق , من عرض ثلاثة كتب كنت قد عرضتهاعلى قرّائيي فى جريدة القاهرة, تدور فى مجالات متقاربة لإستكشاف الإنسان لمصيره فى المستقبل القريب,وأنا مستبشربأنّ الإنسان قدقربت قيامته بغير ما حدّثتنا عنه الكتب المقدّسة .”

و الكتب الثلاثة , هى مما كتب بصدق فى تقديم الآراء والنظريات والدفاع عنها وما يجب أن يكون عليه الجدل العلمى .كما أن ترجمتها هى إنصراف إلى الجهد الراقى لمساعدة النخبة المثقفة على لفت نظر الرجل العادى والمرأة العادية لتكون لكلِ منهما رؤيته الجديدة لما يجرى حوله فى سرعة مذهلة 
الكتاب الأوّل:
– 1- شكل جديد للكون 
العنوان: الكون فى قشرة جوز .
المؤلَف:د. ستيفن هوكنج
المترجم : د.مصطفى إبراهيم فهمى
الناشر : عا لم المعرفة
********** 
“..ربَما يتحدَد مكانى داخل قشرة صلبة لثمرة جوز ،لكننى أعدُ نفسى مِلًكا لمكان بلاحدود..” ولعلََ “” هاملت ” فى هذا المشهد الثانى من الفصل الثانى لمسرحية “شكسبير”كان يعنى بذلك أننا- نحن البشر- وإن كنا مقيدين تقييدا شديدا داخل أبداننا ، إلاَ أن عقولنا حرَة.تنطلق بجسارة إلى داخل الإنسان وإلى خارجه. ترتاد ما هو كبير جدا وماهو صغير جدا. وتود لو تقطع المدى أبعد مما حاولت “مركبة ستار تريك” أن تخطو إليه.، فى المسلسل الأمريكى المشهور ” رحلة النجوم” . والذى راج واجتذب المشاهدين والهب خيالهم ، بل وأمكن إقناع عالم كبير مثل “ستيفن هوكنج”مؤلِف هذا الكتاب ليظهر فى إحدى حلقاته ،وهو يلعب البوكر مع “نيوتن” و” إينشتين”. يتبادلون الأخبار والحوارات والجدل ،ينقل إليهم “هوكنج” بتقنية عالية وبالمعادلات الصعبة- ماشرحه لنا بأبسط أسلوب ممكن- آخر نظريات الفيزياء التى تقود التقدم العلمى .

وما كان يمكن الوصول إليها ولا اختراع “ستارتريك” والسفر بها فى الزمان والمكان لولا قوا نين “نيوتن” ونسبية “إينشتين” وبفضلهم وفضل هوكنج نستطيع بل ينبغى أن نمضى قدما فى محاولة فهم الكون واكتشاف قوانينه. وما أنجز بالفعل يعد تقدما ملحوظا خاصة فى السنوات الأخيرة المعدودة . قد لايكون لدينا صورة كاملة بعد،لكننا وبواسطة المناظير العملاقة مثل “هابل” اتيح لنا أن نسبر أغوار الفضاء ونراه يمتد ..ويمتد.والرحلة شائقة ومثيرة ،منذ بدأ الإنسان يقلب بصره وفؤاده فى السموات والأرض..من أرسطو إلى جاليليو إلى نيوتن وإينشتين وصولا إلى هوكنج .حيث تظهر البحوث لإيجاد خطوط نظرية جديدة توحد نظريات القرن العشرين بلا تناقض بين ميكانيكا الكم والنسبية .

وتمتلىء بالإنفعالات والكتاب يقرب إلى ذهنك الإجابات على الأسئلة المحيرة حول نشأة الكون وحدوده والسفر فى الزمان والمرور داخل الثقوب السوداء والأبعاد المتعددة التى تزيد على أبعاد الكون الأربعة التى سبق أن حدَدها إينشتين. .ثم النظرية الموحدة التى تفسر الكون كله وفيزياءه ، والتى ستمكننا من السفر بسرعة الإنحناء وهى تزيد كثيرا على سرعة الضوء . ولا يفوق إعجابك بما كتبه هوكنج إلاَ مشاهدته شخصيا ،وقد أتيح لى ذلك فى برنامج تليفزيونى رأيته فيه يفتتح مرصدا اوروبيا أقيم تحت الأرض .كان العالم الذى يجلس على نفس كرسى الأستاذية بجامعة كمبردج ،والذى كان يشغله نيوتن ودراك ،يدخل إلى الإحتفال على مقعد متحرك.مزوَد بما يسمى” المركز الحىِ “،يستطيع بوا سطته أن يقرأ ويبحث ويتحدث عن طريق كمبيوتر شخصى . فقد أصيب هوكنج بمرض التليف العصبى العضلى الذى أعجزه عن الحركة والكلام حتى أصبح –بلامبالغة- مجرَد مخ يفكِر. وبصرف النظر عما أصابه من سوء حظ تراه متفائلا مغرما بالحياة . أخذ يوصى بأن الأموال التى تنفق على إقامة المراصد والأبحاث والاكتشافات هى أهم أوجه الإنفاق وإن لم تعط عائدا مباشرا أو سريعا، فالبشرية لم تمض هذا الشوط الطويل لتدمر نفسها فى النهاية .وفى مقدمة أول كتاب شعبى له “موجز تاريخ الزمان ” يعتبر نفسه محظوظا رغم مرضه العضال ..يشعر بأنه يحيا حياة طبيعية إلى حد ما، وقد اختار الفيزياء النظرية مجالا لنشاطه , فهى تدور كلها فى الذهن .

وربما نمضى فى حياتنا اليومية ولا نكاد نفهم شيئا عن العالم الذى نعيش فيه ،نأكل ونشرب ونتزاوج وننجب الأولاد، نمرح ونتعذب ويقتل بعضنا بعضا . ولا يتاح لنا إلاََ القليل من التفكير فى آليات النظام الذى يبعث ضوء الشمس أو الجاذبية التى تلصقنا بالأرض أوالذرات التى تكوِن أجسامنا .وباستثناء طفولتنا ،حيث كنا فقط لاندرك مايمنعنا من توجيه الأسئلة المهمة والمحرجة { هو ربّنا فين ؟}،فإن عددا قليلا من بينناهو الذى استمر يبذل وقتا وجهدا للبحث وراء الأسباب فى أن تكون الأشياء هى ماهى عليه . وحتى هؤلاء فإن حياتهم تنقسم مابين السياسة والمعادلات ، كما قال إينشتين عن نفسه . وإلى وقت غير بعيد –خمسينات القرن العشرين – نهضت عجوز تجلس فى آخر الصف لتعلق على محاضرة لبرتراند راسل عن علم الفلك .كان يتحدث عن دوران الأرض حول الشمس ودوران الأخيرة ومجموعتها من الكواكب حول مركز لمجموعة هائلة من النجوم تشكل مجرتنا” درب التبانة “..قالت المرأة :إن ما تقوله هراء ! والعالم لايعدو أن يكون سطحا مستقرّا على ظهر سلحفاة ماردة ! ولقد أجابها راسل :وماذا تقف عليه السلحفاة ؟ فردّت عليه بكلّ ثقة :الأمر كلّه سلاحف بطول الطريق إلى أسفل . وفى كتبنا الصفراء القديمة استبدل مؤلّفون السلحفاة بثور كبير يحمل الأرض على قرنه.ويتساءل هوكنج عمّا يدعونا إلى أن نعتقد أن معرفتنا صارت أفضل ؟ ويجيب : لقد ساعدتنا الإنجازات الحديثة فى الفيزياء-والتى أصبحت ممكنة بواسطة تقنيات جديدة وفائقة – لنصل إلى أو نفترض إجابات عن بعض الأسئلة التى كانت قائمة ومحيرة لمئات الألوف من السنين .وأهمّ الأسئلة التى يتعرّض لها هوكنج هو كيف يمكن لعقولنا المحدودة أن تفهم كونا لانهائيا ؟ والكتاب بكلّ كلمة كتبت فيه لا غنى عنه فى مواجهة الترديد الإعلامى الذى يفشى مناخا ثقافيا دفع ” هيومن رايتس ووتش ” إلى إتهام نشاطات إسلامية فى مصر بخلق جوّ من معاداة حرية الرأى والفكر والبحث العلمى . ورغم مرور أكثر من نصف قرن فلا يزال تعليق المرأة العجوز على راسل أكثر إيجابية وإيحاءا ورغبة فى التفكير مما سمعته من امرأة مصرية، تسأل احد مشايخ الإفتاء عن مدى إثمها إذ استبدلت ملابسها الداخلية أمام كلبها الذكر وقد تسلّل إلى غرفة نومها. ولقد شغلتنى بقلق بالغ صفحات تخصصّها صحفنا للإغراق فى التديّن وفى مواسم مثل رمضان.. وتابعنا بامتعاض كلاما يحدد جسد المرأة وملابسها, وتحريم الأغانى والرقص وفوائد البنوك ..”وهات يا حشو فى أدمغة المصريين عن الجن العلوى وعيادات الرّقى والتداوى بالآيات مذابة فى الماء …” وإذا افترضنا بأننا لم ندمّر أنفسنا بهذه البدائية ،فإن جيراننا من أهل الأرض ممن ينشغلون برحلة الإنسان الإستكشافية نحو المستقبل ، لهم كلّ العذر فى اتّهامنا أوالإنصراف عنّا .إذ من المشكوك فيه أن يراعى المتقدمون مراعاة بالغة شكلا من الحياة يتمسّك بالتخلّف ويقاتل ويقتل ليفرضه بإقامة دولة الخلافة الإسلاميّة ……” يتبع “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *