هل من حق الزوجة السكن المستقل؟

صورة ذات صلة

السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في بداية زواجي، كنتُ على وشك التخرُّج من دراستي في الخارج بالماجستير، تزوَّجت، وسكنتُ في بيتِ والدي؛ غرفة واحدة وحمام.
تكفَّلَ الوالد بجميع مصاريفي خلال دراستي في البكالوريوس والماجستير، قبل وبعد الزواج لخمس سنوات، حتَّى حصلتُ على عمل.
منذ خمس سنوات مضت؛ حصلَتْ لوالدي مشاكلُ ماديةٌ، وتوقَّف عن العمل، وتحملتُ مسؤوليَّةَ البيت كاملة، وأحاول على قدر استطاعتي أن أوفِّر
للجميع نفس الحياة الكريمة التي تعوَّدْنا عليها قبل تعرُّض والدي لمشاكل مادية، وزوجتي تطالب بسكن خاصٍّ، وعاملة مَنْزلية وخادمة، وحيث
إني لا أستطيع فتح بيتين من الناحية المادية؛ خصوصًا في ظل ارتفاع الإيجارات، عرضتُ عليها أن أُعيد ترميم ثُلُثي الدور الأرضي كشقَّة بمدخل خاص، تتكون من ثلاث غرف، بينما نترك الثلث المتبقي عبارة عن غرفتين؛ إحداهما في داخلها حمامٌ كمخزن بمدخل مستقل للعفش الموجود – حاليًّا –
في الدور الأرضي؛ حسب رغبة والدي بعدم بيع العفش القديم، لكن 
زوجتي تصرُّ على أن تأخذ الدور كاملاً؛ لأنَّ حمامًا واحدًا لا يكفي، 
ولأنني وعَدْتُها بأن أعوِّضها جزاءَ صبرِها على سكَنِنا في غرفة واحدة وحمام، لمدة عشر سنوات، أو أن أستأجر لها شقة، ولا مانع لديها
بأن تكون ثلاث غرف وحمامين، إلاَّ أنني لا أستطيع ماديًّا أن
أستأجر شقة، وأوفِّر لها عاملة منزلية (خادمة)، بينما بالإمكان السكن 
في ثلثي الدور الأرضي؛ حتى أتخلَّص من الإيجار، وبأقل من قيمة الإيجار؛ أستطيع أن أوفِّر لها عاملة منزلية (خادمة)، لكنها تصرُّ على أنَّها صبرت
بما فيه الكفاية، ومن حقِّها أن تحصل على ما تريد؛ إما الدَّورُ كاملاً، أو السكن بالإيجار مع توفير عاملة منْزليَّة (خادمة)، وترى أنه ظلمٌ منِّي
أن أسكنها في ثلثي الدَّور الأرضيِّ بعد كل هذه المدة.
أنا في حيرةٍ من أمري، فإنْ طاوعتُها، فسوف أُحَمِّل نفسي فوق طاقتي؛ خصوصًا أنني موظفٌ، وأستلم راتبًا، وفي نفس الوقت؛ يهمُّني أن
أعوِّضها جزاءَ صبرِها، ولكن حسب إمكانياتي، فما الحل؟ وهل أُعتَبر
ظالمًا لها لو أصررتُ على السكن في ثلثي الدور الأرضي، كما 
عرضتُ عليها؛ علمًا بأنِّي سوف أُعيد ترميمَه وتأثيثه من جديد؟

الجواب
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاه. أمَّا بعدُ:
فجزى الله والدَك خيرَ ما يَجْزي والدًا عن ولَدِه؛ لِتَكفُّلِه بجميع مَصاريفك كلَّ هذه المدة، حتَّى حصلتَ على الماجستير، وبتولِّيه النفقة عليكَ وعلى أسرتِك الصغيرةِ طيلةَ السَّنوات الخمس، حتى حصلتَ على عملٍ، ثم سَماحُهُ لك بالإقامة في بيته؛ مما رفع عن كاهلك همَّ الإيجار.
وبعدُ، فلا يتوقَّفُ عالِمٌ في أنَّ من حقِّ زوجتك عليكَ سكنًا مستقِلاًّ، وقد
صَبَرَتْ في السَّكن المشترَك كلَّ هذه المدة، ولكن الأمر في مسألتك خاصٌّ بعضَ الشيء؛ لأمورٍ؛ منها: أنَّ السكن المستقِلَّ يتحقَّق بإقامتها في الدور الأول من بيت أبيك، وتعلُّلُها بوجود حمامٍ واحدٍ غيرُ وجيه؛ فليست كلُّ 
الشقق تشتمل على حمامين، وكم من عائلاتٍ كبيرة تعيش في بيوت ذات مرحاض واحد، ودون أدنى مشكلة، ولا يسبِّب لها ذلك أدنى إزعاج؛
فالرِّضا بالأمر يُسهِّل قبولَه، كما أنَّ هذا ليس نهاية المطاف؛ فما زالت
الحياة أمامكم طويلة.
أمرٌ آخر أقوله لزوجتك الكريمة: لا شكَّ أن مؤسَّسة الزوجيَّة، كلٌّ من
الرَّجل والمرأة فيها متشاركان، يَشعر كلٌّ منهما بالآخَر؛ يفرح بفرحه،
ويألم لألَمِه، حتَّى كأنَّهما جسدٌ واحدٌ بِرُوحين، ومن الأنانيَّة أن يُفكِّر
أحدُهما في مصلحته، بعيدًا عن عضوه الآخر، بل اللاَّئق بهما أن يفكِّرا سويًّا، ويَحْسبا المَصالح والمفاسد المشترَكة، ويُراعيَ كلٌّ صاحبَه؛ 
فلا خصوصيَّة بينهما، ولا حدودَ للعطاء فيها.
ولا يَخْفى عليكُما أنَّ الحياة الزوجيَّة تتَزلزل إذا رامَ كلُّ شريكٍ استيفاءَ حقِّه؛ فهذا يُشعِر شريكه الآخَر بالأنا الشديدة الوَقْع على النَّفْس، وإنَّما الواجب
أن يتنازل كلُّ واحد لصاحبه عن جزءٍ غير قليل من حقِّه وراحتِه؛
ليدوم الوُدُّ، ويَعمَّ الحبُّ الذي يُسهل العسير، ويقرب البعيد.
ولا شكَّ أن الوالدَ – رعاه الله – قد أحسن إليكَ بالأصالة، وإلى زوجتك بالتَّبَع، ولا يليق بك ولا بِها أن تتركاه في هذا الوقت الذي قد احتاج فيه إليك،
ووجبَ عليك مساعدتُه، ومن حقِّ العِشْرة الزوجيَّة على زوجتِك أن تعينك على بِرِّ أبيك، وعلى صلته، وتتَنازل عن بعض طلباتها؛ كالخادمة، 
والحمام الثاني؛ رجاءَ أن يحفظكما الله، ويحفظ أبناءكما؛ بِبِرِّك بأبيك، وتيسيرها عليه، لا سيَّما أن ما تطلبينه – أيتها الزوجة – من خادمة،
أو شقَّةٍ بحمامين، أو خروجٍ من البيت، ليس من الواجب فعلُه على
زوجِكِ ما دام سيكون ثُلثا الدَّور الأول مستقِلاًّ بك.
وخدمة الزَّوجة لزوجها من الأمور الواجبة، والأدلَّة الصحيحة والآثار
الثابتة عن الصَّحابة والسَّلف تدلُّ على أنَّ الخدمة واجبةٌ على المرأة،
وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم – رحمهما الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مجموع الفتاوى (34 / 90):
وقيل – وهو الصَّواب -: وجوبُ الخدمة؛ فإن الزَّوج سيِّدُها في كتاب الله؛ وهي عانية عنده بِسُنَّة رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وعلى العاني والعبدِ الخدمةُ، ولأنَّ ذلك هو المعروف، ثُمَّ مِن هؤلاء مَن قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم مَن قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصَّواب،
فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مِثلها لمِثْله، ويتنوَّع ذلك بتنوُّع الأحوال؛ فخِدْمةُ البدويَّة ليست كخدمة القرويَّة، وخدمة القويَّة ليست
كخدمة الضعيفة .
وأخيرًا اعلمي – رعاكِ الله – أنَّه ليس من مَكارم الأخلاق تكليفُ الزوجة زوجَها فوقَ طاقتِها؛ فإنَّ مِن حسن العشرة المأمور بها الرجل والمرأة:
أن يكون كلٌّ منهما عونًا لشريكه في جميع الأمور؛ وخصوصًا في أوقات الحاجة إلى المساعدة، بل الصاحبُ في السَّفر، الذي هو نظيرُ الإنسانِ وصاحبه في المسكن، إن لَم يُعاوِنْه على مصلحة، لَم يكن قد عاشرَه بالمعروف، ولا تَتِمُّ مواءمةٌ بين الناس بالحقِّ فقط، بل لا بدَّ من الفضل؛
كما قال تعالى: 
{ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم }
[البقرة: 237].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *