مؤانسة الله لرسوله في الهجرة – بقلم : الداعية : مهندسة / بهيرة خيرالله

وما زلنا في سياق الحديث عن الهجرة ونبعها الذي لا ينضب ودروسها التي لا تنقضي ، فقد خرج رسول الله (ص) من مكة مهاجراإلي يثرب بأمر الله، وأنزل الله تعالى فى إخراجه قرآنًا مؤنسا له فقال : { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا (76)} [الإسراء]، وكانت هذه الآية دالة على أن الهجرة كانت مُهاجرة ، أي أنه هاجر بسبب عنت قومه ، ويدل عليه قوله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ (13)} [محمد] ، فهو لم يهجر مكة راغبًا فى ذلك أو هاربًا من الأذى ، ولكنه أُخرج منها حين قررت قريش في دارالندوة قتله لمنعه من نشر دين الله ، فخرج فارًا بالدعوة إلى بلدٍ آمن ليتمكن من استكمال رسالته فى الأرض بعد أن وجدت دعوته فى مكة طريقا مسدودا ؛ فهو قد ظل يدعوهم إلى التوحيد ثلاث عشرة سنة ، وما آمن منهم إلا قليل .

وها هو ذا ينظر إلى مكة نظرة وداعٍ حارة تقطر حبًا وأسيً على الفراق ، ثم يقول : ( والله إنك لأحبُّ أرض الله إلىَّ ، وأحبُّ أرض الله إلى الله ، ولولا أنَّ أهلك أخرجونى منك قهرًا ما خرجتُ ) .. ومن الإعجاز بالإنباء بالغيب ، تبين الآية المذكورة أنه سيعود إلى مكة عن قريب { وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا } فهم لن يبقوا بعده مستخلفين يحكمونها إلا زمنًا يسيرًا ، وكانت المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتل صناديدهم يوم بدر عامين لا غير ، ثم لم يلبث أن عاد فاتحًا مكة فى العام الثامن من الهجرة ، فكان في الآية طمأنة لرسول الله بالعودة إلي مكة قاهرا لأعدائه .

– كما نزلت عليه فى رحلة الهجرة الآيات من سورة القصص ، وفى ختامها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } [ الآية:85] ، نزلت وهو فى طريقه إلى المدينة ، في منطقة الجُحفة ( رابغ حاليا ، وهو الميقات المكانى لإحرام القادمين من مصر بطريق البحر ) . وقال ابن عباس فى تفسير قوله “مَعَادٍ” أنه سيرجعك إلى مكة كما أخرجك منها ، ونلاحظ لام التوكيد فى فعل رادُّك ، وقد صدق الله رسوله  ، وأيده بجنده ، ونصره ، وردَّه ، وأعلى كلمة الحق وجعل كلمة الذين كفروا السفلي …

– ونزلت الآيات من سورة الكهف تؤانسه بقصة أصحاب الكهف الذين هاجروا بدينهم ، وقصة موسى عليه السلام الذى خرج من بلده بحثا عن علم الله اللدُنِّى عند الرجل الصالح ليعلم أنه { وَمَا أوتيتم مِّن العلمِ إلا قليلاً }، وقصة ذو القرنين الذى ساح فى الأرض كلها يقوم بأمر الله فى تصريف أمور دولته الممتدة شرقا وغربا ؛ فكلها قصص للثبات فى الدعوة ، ولو بالضرب فى الأرض .

  • – وصدق الله تعالي القائل لحبيبه المصطفي { فإنك بأعيننا } فهو قد حفظه من القتل غدرا ويسر له طريق الهجرة ، وآنسه بقرآنه وبالصحبة ، وفي هذا موعظة وعبرة لأمته أن من حفظ الله حفظه ونصره ومكنه فى الأرض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *