المرأة والرجل.. صنوان فى الهجرة والاستقرار

المرأة صنو الرجل؛ وها نحن بصدد الحديث عن الهجرة من دار الشرك إلي دار الإسلام، ومن دار الخوف إلي دار الأمان، والتي كانت منذ 1440 عاما يوم هاجر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه الصدِّيق أبو بكر من مكة إلي يثرب، هاجر بدين الله ليظهره الله علي الدين كله.

وقد سبق بالهجرة رجال ونساء من قبلُ إلي الحبشة فى السنة الخامسة من البعثة، وكان أول بيت هاجر “رقية بنت رسول الله” وزوجها “عثمان بن عفان” وكانت أم المؤمنين “أم سلمة هند بنت أبي أمية” مع زوجها آنذاك “أبو سلمة عبدالله بن عبدالأسد” ابن عمة رسول الله وأخوه بالرضاع، والتي شرفها رسول الله بالزواج منها بعد موت زوجها متأثرا بجراحه يوم أحد- وكانت أم المؤمنين “أم حبيبة بنت أبي سفيان” مع زوجها آنذاك “عبيد الله بن جحش” والذي رجع عن دين الإسلام بدار الهجرة ثم مات فكرَّمها رسول الله بأن وكَّل النجاشي بتزويجها له، مواساة لها ومؤازرة لها فى غُربتها عن الوطن والأهل- وكانت “أسماء بنت عُمَيس” مع زوجها آنذاك “جعفر بن أبي طالب” والتي تزوجها أبو بكر الصديق بعد استشهاد جعفر الطيار يوم مؤتة، ثم تزوَّجها من بعده علي بن أبي طالب، فكانت زوجة لثلاثة من المُبشَّرين بالجنة .

ثم كانت الهجرة الثانية فى نفس العام انضمت إليهن امرأتان من خيرة النساء؛ أم المؤمنين “سودة بنت زمعة” مع زوجها آنذاك وابن عمها “السكران بن عمرو العامري”، وهي التي شرَّفها رسول الله بالزواج منها بعد وفاة زوجها ووفاة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد- وكانت الصحابية الجليلة “خولة بنت حكيم” مع زوجها “عثمان بن مظعون”، وهي التي خطبت لرسول الله بعد وفاة خديجة زوجتيه “سودة” و “عائشة بنت أبي بكر”، وكلهنَّ هاجرن من بعد إلي يثرب مدينة رسول الله، فكنَّ من أصحاب الهجرتين.

ثم كانت من طلائع الهجرة إلي يثرب كما سبق القول “أم سلمة” مع زوجها “أبو سلمة” وكانوا أول بيت مهاجر إليها-  وكانت أم المؤمنين “حفصة بنت عمر بن الخطاب” مع زوجها آنذاك “خنيس بن حذافة السهمي” والذي كان من أوائل الشهداء يوم بدر، فكان تشريف النبي بالزواج منها كرامة للشهيد ولأبيها الفاروق- وكانت أم المؤمنين “زينب بنت جحش” ابنة عم النبي، مع أخوتها بقيادة أخوها “عبدالله بن جحش”.

ومن أبطال رحلة الهجرة النبوية لا ننسي دور “أسماء بنت أبي بكر” ودورها فى التغطية علي خروج أبيها مع الرسول للهجرة ليلة اجتمع أهل دار الندوة علي قتل رسول الله، وما أصابها من “لطم” أبى جهل لها وإسقاط قرطها من أذنها وإصابتها، ولا ننسي دورها فى الإمداد والتموين للمهاجرين العظيمين نبي الله وثاني اثنين إذ هما فى الغار، حين كانت تخرج فى خفية وهي حامل فى ابنها “عبدالله ابن الزبير” أول مولود فى دار الهجرة.

ودور تلك الصحابية الجليلة “أم معبد الخزاعية” التي مرَّ بها الركب المبارك النبى وصاحبه أبو بكر ومولاه “عامر بن فهيرة” ودليل الطريق المشرك آنذاك “عبدالله بن أريقط”، وكانت أم معبد تسقي وتطعم من مرَّ بها، فنزل بها المسافرون وطعموا من لبن شاتها الضعيفة التي درَّت لبنا فياضا ببركة دعاء نبي الله، وما قامت به من التغطية علي خبر رسول الله وصحبه بعد أن تركوها حين جاءها فتيان قريش يتعقبونه لينالوا الجائزة التي وعدت بها قريش من يأتيهم بمحمد، ولم يُغْرِها المال ولم تكن علي الإسلام بعد ولكن استشعرت بركة هذا الرجل الذي صار له شأن، وكانت هي ممن أجاد ودقق فى وصفه وصفا بديعا كأن السامع ينظر إليه.

هؤلاء نساء مهاجرات كان لهنَّ السبق فى طاعة الله ورسوله وترك الدنيا واستقرار المعيشة إلي السفر والترحال؛ حتي أنه نزل فيهن قرآنٌ يُتلي إلي قيام الساعة، حينما سألت أم المؤمنين أم سلمة فقالت: «يا رسول الله، لا نَسْمَع اللهَ ذَكَر النساء في الهجرة بشئ؟» ، فنزل قوله تعالي: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)} [آل عمران]، جزاهنَّ الله عنَّا خير الجزاء فى السبق والقدوة الحسنة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *