رمضان شهر الرَّحمة والمغفرة

شهر رمضان شهر الرَّحمة والمغفرة والعتق من النيران ، وعن رمضان يقول رسول الله (ص) : ( إذا جاء رمضان فتِحَت أبوابُ الرَّحمة ، وغُلِقت أبوابُ جهنم ، وسُلسِلتِ الشياطين ) ، وأبوب الرَّحمة هى التى تدخلنا الجنة . وقال الإمام الحسن البصرى فى معنى رمضان :” الراء رحمة ، والميم مغفرة ، والضاد ضمان للجنة ، والألف أمان من النار ، والنون نورٌ من الرحيم الغفار” .

 والرَّحمة

هى الرِّقة والرِّفق والرَّأفة والشَّـفقة والتعطف ولين الجانب ؛ واشتق من هذه الصفة اسمين من أسماء الله الحسنى :الرَّحمـن الرَّحيــم ، وهما من صفات الذات والجمال لله تعالى ، فهو الرَّحمن فى ذاته ، الرَّحيم فى أفعاله ؛ وهما صيغة مبالغة تدل على كثرة الرَّحمة المدَّخرة عند الله ، احتفظ تعالي عنده بـتسع وتسعين رحمة وأنزل واحدة بها تتراحم الخلائق . ورحمته تعالي تسع ذنوب عباده جميعاً ؛ كما قال: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر: 53] .

وصفةٌ الرحمن

أشمل من الرَّحيم  لكثرة عدد الذين يشملهم الله برحمته الرحمة العامة ، فهو واسع الرَّحمة ،فرحمته تعالى فى الدنيا تسع الناس جميعاً المؤمن والعاصى والكافر والصالح والطالح { وَرَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ } ، فهو الذى خلقهم ويعطيهم مقومات حياتهم ، ولا يؤاخذهم بذنوبهم ، ولا يعاجل بعقابهم . فالمبالغة فى الدنيا بعمومية العطاء للخلق جميعاً .

أما صفة الرَّحيم

فهي الرحمة الخاصة وتعنى دائم الرَّحمة دائم الإحسان ، وهى رحمة خاصة بالمؤمنين { وَكَانَ بِالمؤمنينَ رَحِيماً } [ النساء : 43 ] ، فهو الذي هداهم فى الدنيا إلى توحيده وعبوديته ، ويقبل توبتهم ويغفر لهم إذا أذنبوا . والمبالغة هنا تأتى فى كثرة العطاء للمؤمنين ، وفى الخلود فى العطاء ، وفى دخول الجنة ، فلن يدخلها أحدٌ إلا برحمته . فالمبالغة فى الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن ، وكثرة النعم ، والخلود فيها .

المثل الأعلى

وللحديث عن الرَّحمة ليس لنا إلا التأسى بالحبيب المصطفى (ص) ، إذ هو المثل الأعلى ، كما قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }؛ فقد أضفى الله عز وجلَّ علي رسوله صفتان من صفاته العليا “بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ “، فهو الرحمة المُهداة للعالمين لكل خلق الله من الأنس والجن والحجر والشجر والدواب ، كما قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107].

العصاة

فلو تكلمنا عن رحمته وشفقته (ص) على أمته ومبالغته فى تحذيرهم ممَّا يضرهم ، فإنه لما نزلت الآية :{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } دعا قومه فقال مشفقا عليهم : ( يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم  من النار ! يا معشر بنى كعب أنقذوا أنفسكم  من النار ! يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من  النار !

فإنى والله لا أملكُ لكم من الله شيئاً ،إلا أن لكم رحماً سأبللها ببلالها ) ، فهو (ص) قد أشفق على أهله من العذاب يوم القيامة لمن لم يُلب نداء الحق والدخول فى الإسلام .

وهو (ص) يبذل جهده مع العُصاة للحيلولة بينهم وبين فعل المعاصى حتى لا يقعوا فى النار ، لكن كثيراً منهم تغلبهم نفسهم الأمارة بالسوء ، فينهمكون فى الشهوات ويقعون فى النار كالفراش الجاهل الذى يحوم حول النار فيقع فيها .

رحمته بالنساء

وإذا نظرنا إلى  رحمته بالنساء والرفق بهن فلننظر إلى هذه القصة : ” كان هناك غلامٌ أسودٌ يُقالُ له أنجشة يسوق الإبل وهى يحدو – أى يُغنى – فتسرع الإبل بالسير، فقال له (ص) : ( رُويدَكَ يا أنْجَشَةُ ‍رفقا بالقوارير ) – وشبه النبى (ص) النساء بالزجاجة لرقتهنَّ وضعفهنَّ . وكان من آخر ما وصَّى به (ص) فى حجة الوداع قوله : ( استوصوا بالنساء خيراً ، فإنهنَّ عَوَانٌ عندكم ) أى يعنى أسيرات محبوسات لحق أزواجهنَّ  …

رحمته بالصبيان

وإذا نظرنا إلى  رحمته بالصبيان والعيال ؛ فكان إذا صلى بالمسجد ثُمَّ خرجَ إلى أهله استقبله ولدان المسلمين ، فكان يمسحُ خَدَّيْ أحدِهِم واحداً واحداً ، حبًا ورحمة ، حتى أنه كانت تترك يده رائحة الطيب فيهم !. وقد قدم ناس من الأعراب على رسول الله (ص) فأبصروه يقبل حفيده الحسن بن على ، فتعجب أحدهم  قائلا : إنَّ لى عشرةً من الولد ما قبَّلتُ واحداً منهم ، فقال : ( وأمْلكُ إن كان اللهُ نزع منكم الرَّحمة ) أى لا أملك لكم شيئاً إذا كانت قلوبكم قاسية ، وإذا جاءكم العذاب بسببها ؛ وقال : ( إنَّه من لا يَرْحَم لا يُرْحَم )  .

وإذا نظرنا إلى رحمته العامة لسائر الخلق ؛

فالرَّحمة التى أودعها الله تعالى فى قلب رسوله (ص) تسع الحجر والشجر ، والحيوان والبشر ، إذ قال ( فى كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر ) ؛ و يروى أن عائشة رضى الله عنها ركبت جملاً تروضه، وكان فيه صعوبة فجعلت تذهب به وتجئ فأتعبته ، فقال لها رسول الله (ص) : ( عليك بالرفق يا عائشة ) . وقال (ص) : ( دخلت امرأة النار فى هِرَّة ، حبستها حتى ماتت ، فلا هى أطعمتها حين حبستها ، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ) ؛ ودخل الجنة رجلُ فى كلب سقاه فى نعله .

أما عن صفة المغفرة

فقد اشتق الله من هذه الصفة أسمان له : الغفور والغفار ؛ فهو الذى يغفر الذنوب ، ويستر العيوب ، فلا يكشف أمر العبد ، ولا يفضحه على رؤوس الأشهاد . فمن حكمته أنه يغفر الذنوب ، فإنه لو أغلق باب التوبة فى وجه المذنب لتمادى فى ذنوبه ، ولترتب على ذلك هلاكه وهلاك المجتمع بأسره  . والغفور والغفار قريبان في المعنى ، فهما من صيغ المبالغة يدلان على صفة المغفرة  ( ذو مغفرة & واسع المغفرة ) ، وعلى صفة من صفات الأفعال لله  ( إنَّ الله يغفر الذنوب جميعا ) إلا الشرك به . وقيل الغفار أبلغ من الغفور ، فالغفور هو من يغفر الذنوب العظام ، غفور للكيف في الذنب ؛ والغفار هو من يغفر الذنوب الكثيرة ، غفار للكمّ  فيه ، فمهما كثرت  الذنوب  وتكررت   فإن الغفار يغفرها ، ومهما بلغ الذنب  من العظم   فإن للغفور باب مغفرة لا يغلق  ،  حتى تغرغر النفس  أو تطلع  الشمس من مغربها .

أدعية الرسول

ولنا الأسوة فى أدعية الرَّسول  بالمغفرة ؛ فقد طلب الله تعالى من رسوله  أن يستغفر للمؤمنين يوم أحد قائلا { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } –  وكان  الرسول  يدعو  للموتي  وأهل القبور بالمغفرة – وكان يدعو  بالمغفرة عند النوم ، وفى الركوع والسجود –  وكان يدعو بالمغفرة لمن يقدم له طعاما . وكان  يستغفر فى اليوم مائة مرة ، وهو من غفر له ما نقدم من ذنبه وما تأخر .

وهذا الخلق المُحمدى ” الرَّحمة والمغفرة “هى بعض مما يتحلى به نبى الله من أخلاق لا يحيط به وصفٌ إلاَّ ما وصفه به ربُّ العزة بقوله : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم :4 ] ، فدعونا نتخلق بخلقه (ص) ، ونتأدب بأدبه،  وخاصة فى هذا الشهر الفضيل الذى جعله الله شهر رحمةٌ ومغفرةٌ وعتقٌ من النار .

نسألك اللهم ربنا أن تغفر لنا وترحمنا وأنت خير الراحمين ،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *